
بداية أقرر أننى لست متشائما مما حدث خلال العام الأول من الثورة, بل متفائل جدا من المستقبل, وأتوقع أن مصر ينتظرها خيرا كثيرا, عندما تبدأ سنوات الرشد السياسى المقبلة.
لكننى بنظرة إلى العام المنقضى من عمر ثورة 25 يناير أرى أننا جميعا قد أخطأنا فى حق البلاد, وأن كل منا لم ينظر لأبعد من أسفل قدميه, ولم ينظر للمستقبل. إلا قلة من القوى السياسية شاء قدرها ألا تكون الأعلى صوتا, أو الأكثر ظهورا فى الإعلام الذى يسيطر عليه فئة أقل ما يمكن أن يقال عنها "فئة ضالة مضلة".
المجلس العسكرى:
كان أكثر الفاشلين خلال العام الأول من الثورة "المجلس العسكرى", وفشله من وجهة نظرى مبرر, لأنه مجلس لا يملك الخبرة السياسية ولا الإدارية التى تمكنه من إدارة شئون دولة بحجم مصر, إلى جانب أنه شعر بعد قيام الثورة أن الدور آتى لا محالة عليه من حيث التطهير والثورة على كل ما يمتلك من مميزات أعطاها نظام مبارك له فى إطار نظرية "التحييد" من أجل ضمان الأمن وعدم حدوث أى انقلابات عسكرية عليه.
وكان التخبط واضحا منذ الأيام الأولى لتولى المجلس الحكم فى البلاد, وساعده فى هذا التخبط أن القوى السياسية كانت تنظر إليه فى البدايات على أنه حامى الثورة, ولم تكن تنتقده بتاتا, إلا عندما بدأ يتخبط فى إصدار القرارات, أو تأجيل وضع جدول زمنى لتسليم السلطة, أو البدء فى إصدار قرارات بقوانين لا ترضى عنها القوى الثورية.
ولم يكن المجلس العسكرى يستجيب لأى مطلب جماهيرى أو ثورى إلا بعد ممارسة ضغوط جماهيرية عليه, تتمثل فى التظاهرات الحاشدة. فهو لم يستجيب لدعوة محاكمة مبارك إلا عبر تظاهرة, ولم يصدر جدول زمنى لتسليم السلطة إلا عبر ضغط شعبى مماثل, وكانت جميع خطواته متأخرة كثيرا عن أحلام ورغبات قوى الثورة, وهو ما أثر على العلاقة بينهما, وبدأت التوترات تزداد مع كل تصرف لا يلبى مطالب الثورة, ومع كل أمر يكون معبرا عن رغبة المجلس فى الاستمرار فى الحكم.
أضف إلى ذلك الممارسات السلبية التى بدأ فى ممارستها تجاه الجماهير, والتى بدأت تذكرنا بأيام النظام السابق, مثل قضايا القبض على الناشطين السياسيين ومحاكمتهم أمام المحاكم العسكرية, أو تعذيب المحتجزين, أو قضية "كشف العذرية".
وكانت أكبر الأخطاء التى ارتكبها المجلس العسكرى عدم سيطرته على حالة الانفلات الأمنى التى استمرت حتى الآن, على الرغم من مقدرته على ذلك, وهو ما رأيناه متجسدا فى مواقف كثيرة ومنها الانتخابات البرلمانية, والتى ظهر فيها الأمن على أعلى مستوى من التأمين, وهو ما يوحى أن ترك ظاهرة الانفلات الأمنى حتى الآن هو أمر مقصود.
الإعلام:
ثانى الفاشلين الذين سقطوا فى عام الثورة الأول "الإعلام", وكان سقوطه منذ ما قبل الثورة, حينما انحاز بكل مؤسساته إلى السلطة, وسعت معظم وسئل الإعلام إلى المحافظة على مكانة لها بالقرب من مؤسسة الرئاسة, وهى المؤسسة التى كانت تملك "ذهب المعز وسيفه", وحتى الصحف التى كانت تظهر أمام الجماهير بأنها تهاجم النظام الحاكم اكتشفنا لاحقا أن هذا كان سيناريو متفق عليه حتى لا تظهر كل الصحف بموقف المؤيد, أما الصحف التى كانت تملك بالفعل مقومات ومؤهلات المعارضة الحقيقية من أجل مصر فقد تم إغلاقها, مثل جريدة "الشعب" التى كان يصدرها حزب العمل, وعلى الرغم من صدور 14 حكم قضائى لصدورها مرة أخرى, إلا أن النظام السابق والمجلس العسكرى لم ينفذا هذه الأحكام.
وبنظرة سريعة إلى وسائل الإعلام نجد أنها لم تكن فى جانب الثورة فى أى وقت, بل هى من كانت تروج للنظام السابق, ويكفى مثلا أن نعلم أن معظم القنوات الفضائية الخاصة التى ظهرت أيام النظام السابق يملكها رجال أعمال مرتبطون بشبكة مصالح خاصة مع الدولة, ولم تكن البرامج التى يظهر فيها رموز المعارضة إلا نوع من التنفيس عن الغضب الموجود فى صدور المصريين قبل الثورة, لكى يجلس المواطن العادى أمام شاشة التلفزيون ويكتفى بالإعجاب بما يشاهده, والحوارات الساخنة التى يراها, والتى عادا كانت لا تقترب من القرارات المصيرية والمتمثلة فى قضايا مناهضة التمديد والتوريث, أو قضية "الاستقلال عن الحلف الصهيونى الأمريكى", أما المعارضة التى تعرف بالضبط ماهية الصراع مع نظام الحكم الفاسد فلم يكن يسمح لها أبدا فى الظهور على شاشات هذه الفضائيات, لأن أسماءها موضوعة فى القائمة السوداء والتى كانت تعدها "مباحث أمن الدولة" لتسلمها لكل معدى البرامج فى هذه القنوات, حتى لا يخطأ أحدهم ويستضيف شخصية من المعارضة الحقيقية.
وظلت معظم وسائل الإعلام على نفاقها للنظام الحاكم فى مرحلة ما قبل الثورة, أما خلال الثورة فقد لعب الجميع على الطرفين, فتارة مع الثوار, وتارة أخرى مع النظام الحاكم, حتى تحقق مطلب الثوار وتنازل "مبارك" عن الحكم, فبدأت كل وسيلة إعلامية تحاول أن تغتنم الفرصة لكى تثبت ولائها للثورة, وتستخدم الثوار "إله" جديد يُعبد من دون الله, بعد أن كانوا يفعلون ذلك مع النظام السابق.
ولم تتطرق وسائل الإعلام بشكل مهنى وحيادى لتداعيات الثورة, ولا لمن ساهم فى التمهيد لقيام الثورة, ولم تنظر للفاعل الأصلى الذى ساهم فى كل هذه التراكمات التى أدت إلى ثورة الشعب, وأصبحنا نسمع حديثا فى منتهى الغرابة عن أن هذه "ثورة شباب", وأن قوى
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ